السيد الرئيس، بينما نخوض غمار عالم يشتد فيه التنافس، حيث تتعرض القواعد والأعراف الراسخة لضغوط متزايدة، وتتفاقم النزاعات في مختلف المناطق، لا بد من التذكير بأن هذه القضايا مألوفة لليمنيين. فقد عاشوا لسنوات في ظل حالة من عدم اليقين نتيجة تآكل المؤسسات، وتفكك السلطة، والانحسار التدريجي للقواعد المتوقعة.
ولهذا السبب تكتسب الخطوات المتخذة حالياً لتحسين ظروف المعيشة ودعم الاستقرار في مناطق الحكومة الشرعية أهمية بالغة. إذ يمكن لهذه الجهود أن تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ، بحيث تصبح حياة اليمنيين أقل تأثراً بحالة الاضطراب والارتجال، وأكثر إرتكازاً على مؤسسات خاضعة للمساءلة تطبق القواعد بعدالة وتخدم المواطنين على نحو منصف. ومن خلال خفض التوترات وبناء التوافق، يمكن لهذه الخطوات أيضاً أن تسهم في تهيئة بيئة مواتية لتسوية سياسية أوسع للنزاع. وهذه بعض القضايا التي ناقشتها في الرياض، التي أقدم منها إحاطتي اليوم. وهنا في الرياض، التقيت برئيس الوزراء المعين حديثاً، الدكتور شائع الزنداني، وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي.
ثمة مؤشرات إيجابية مبكرة في مناطق الحكومة الشرعية، بما في ذلك تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام. ومع ذلك فإن استمرار التوترات، والحوادث الأمنية الأخيرة، والتظاهرات التي شهدت في بعض الحالات وقوع أعمال عنف وسقوط ضحايا، تؤكد هشاشة الوضع. وقد تتعرض التحسينات المحققة في تقديم الخدمات للتراجع في حال تدهور الوضع الأمني، أو تعثرت الإصلاحات الاقتصادية أو إذا خضعت المؤسسات لتجاذبات متنافسة. يساورني قلق بالغ إزاء الهجمات الأخيرة التي استهدفت مؤسسات إعلامية وصحفيين، بما في ذلك في عدن. فحرية الصحافة وحرية التعبير عنصران أساسيان للحكم الرشيد، والمساءلة العامة، والمشاركة المدنية، وتسوية النزاعات عبر السياسة لا القوة.
السيد الرئيس، بإمكان الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء الزنداني حماية المكاسب الأخيرة من خلال ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية. وسيتطلب ذلك بيئة داعمة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء الثقة.
وأود أيضاً أن أغتنم هذه الفرصة للإشادة بتعيين ثلاث وزيرات، بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء. ينبغي تعزيز هذا التعيين من خلال إشراك النساء بشكل كامل ومتساوٍ وفعّال في صنع القرار على جميع مستويات الحكومة، وفي فرق مفاوضات السلام والهيئات الاستشارية. إن عمليات السلام الشاملة أكثر شرعية، وقد أثبتت التجارب أنها تحقق نتائج أكثر استدامة.
بالتوازي مع ذلك، يُتيح الحوار الجنوبي المُزمع عقده فرصةً لبدء معالجة المظالم المتراكمة وبناء توافق في الآراء حول القضايا المهمة لأبناء الجنوب وجميع اليمنيين. وسيُسهم تعزيز الرؤى المُشتركة للمستقبل في تمهيد الطريق أمام مناقشات ومفاوضات وطنية شاملة، يُمكن من خلالها معالجة هذه القضايا بشكل شامل ومستدام.
وفي نهاية المطاف، السيد الرئيس، لن يكون الاستقرار في أي جزء من البلاد مستداماً ما لم يتم معالجة النزاع الأوسع نطاقاً في اليمن معالجة شاملة. لقد حان الوقت لاتخاذ خطوات حاسمة في هذا الصدد. فمن دون تسوية سياسية تفاوضية أوسع للنزاع، ستظل المكاسب المحققة عرضة للتراجع.
خلال الأسابيع الأخيرة، واصلتُ الانخراط مع الأطراف اليمنية، والجهات الفاعلة الإقليمية وأعضاء المجتمع الدولي لاستكشاف سُبل إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة. كما أجرى مكتبي مشاورات مع مختلف اليمنيين حول هذه المسألة، بما في ذلك لقاءات مع المحافظين، للحصول على رؤى أكثر دقة حول الشواغل المحلية وكيفية معالجتها على المستوى الوطني. خلال هذه المناقشات، برزت ثلاث نقاط رئيسية حول سبل المضي قدماً:
أولاً، يجب أن نكون صادقين بشأن ما أحدثته أكثر من عشر سنوات من الحرب في اليمن. فقد أصبح النزاع أكثر تعقيداً، وتضاعفت خطوط التنازع، وتطورت الديناميكيات المحلية إلى جانب الديناميكيات الوطنية. وبينما أسهمت التوترات الإقليمية بشكل متزايد في تغذية النزاع وتأثرت به في الوقت ذاته، ظل هدفنا المشترك ثابتاً لا يتزعزع: يحتاج اليمن إلى عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية يمكنها إنهاء النزاع بشكل مستدام. غير أن الوصول إلى ذلك يتطلب من الأطراف تبني نهج مستقبلي. علينا البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، واعتماد نهج واقعي في تصميم عملية سياسية تعكس واقع اليوم.
ثانياً، يتسم الصراع في اليمن بتشابك عدد من الملفات. إن معالجة القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية بمعزل عن بعضها البعض لن تُسفر إلا عن نتائج جزئية غير مستدامة. لذا، فإن إعادة إطلاق العملية السياسية يتطلب من الأطراف الانخراط في هذه المسارات بشكل متزامن، دون ربط الانخراط في مسار ما بالتقدم في مسار آخر.
وثالثاً، لا بد لأي عملية ذات مصداقية أن تُحقق نتائج ملموسة لليمنيين على مرحلتين زمنيتين. إذ ينبغي أن تُتيح هذه العملية التوصل إلى اتفاقيات قريبة المدى تُخفف المعاناة وتُظهر تقدماً ملموساً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، يجب أن تتيح حيزاً لليمنيين للتفاوض حول القضايا طويلة الأمد الضرورية لإنهاء النزاع، بما يشمل الشكل المستقبلي للدولة، والترتيبات الأمنية، ومبادئ الحوكمة.
ويُعد ملف الآسرى والمحتجزين المرتبطين بالنزاع مثالاً واضحاً على ما يمكن تحقيقه عندما تختار الأطراف الانخراط في الحوار. ففي الوقت الراهن، تتواجد الأطراف في عمّان، حيث تجري مفاوضات مباشرة وجهاً لوجه برعاية الأمم المتحدة، للعمل على المهمة المعقدة المتمثلة في استكمال قوائم المحتجزين تمهيداً لتنفيذ عملية الإفراج، والبناء على النتائج المتفق عليها لاجتماعهم في مسقط في ديسمبر الماضي. وأحث الأطراف على مواصلة هذا الانخراط، وإنجاز العناصر المتبقية دون تأخير، والمضي سريعاً نحو التنفيذ. ومع اقتراب شهر رمضان، يتعين على الأطراف العمل على ضمان تمكّن العائلات من قضاء العيد مع أحبائها. كما أشجع الأطراف على مواصلة العمل بعد هذه المرحلة، والوفاء بالتزامها بالإفراج عن جميع المحتجزين على خلفية النزاع، وفقًا لمبدأ «الكل مقابل الكل». وأعرب عن شكري للمملكة الأردنية الهاشمية على استضافة هذه المفاوضات، وللجنة الدولية للصليب الأحمر على دورها المحوري.
السيد الرئيس، يصادف هذا الأسبوع مرور عام على وفاة زميلنا في برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه تعسفياً لدى أنصار الله، حيث لم يُجرَ أي تحقيق، ولم تُكشف ملابسات وفاته. في المقابل، لا يزال 73 من زملائنا في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى موظفين سابقين آخرين، محتجزين، فضلاً عن آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية. وقد احتُجز العديد منهم بمعزل عن العالم الخارجي، وسط مخاوف جدية بشأن أوضاعهم وسلامتهم. كما أُحيل بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة التابعة لأنصار الله، التي تُجري محاكمات لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة. لم نتخلَّ يوماً عن موظفينا المحتجزين، ونواصل السعي عبر جميع السبل، وعلى كافة المستويات، لحل هذه القضية. أدعو أنصار الله إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الموظفين المحتجزين وإلغاء جميع قرارات الإحالة إلى المحكمة. كما أحثّ الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية على استخدام نفوذها للدفع نحو تحقيق هذه النتائج ذاتها.
السيد الرئيس، قبل الختام، أود التطرق إلى الوضع الإقليمي، الذي يشهد مجدداً تصاعداً في التوترات. نأمل جميعاً في خفض التصعيد. ولكن مهما كان المسار الإقليمي، يجب ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. فمسألة السلم والحرب في جوهرها مسألة وطنية. لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قِبل جهة واحدة. ولا يحق لأي جهة يمنية جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي. تقع المسؤولية على عاتق جميع الجهات الفاعلة وصانعي القرار اليمنيين، أولاً وقبل كل شيء، تجاه الشعب اليمني - تجاه أمنه، وسبل عيشه، ومستقبله. يجب أن تبقى حماية المصالح الوطنية لليمن وتطلعات جميع أبنائه هي المبادئ التوجيهية في جميع الأوقات، بما في ذلك لحظات التوتر المتصاعد. ضبط النفس، في هذا السياق، واجب.
السيد الرئيس، إن الاستقرار الدائم في اليمن يعتمد على بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قد المساواة أينما كانوا، بحيث يتم توجيه الاختلاف في الآراء والنزاعات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف. ويتطلب ذلك عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، ويتطلب وحدةً حول هذا الهدف. وأدعو هذا المجلس أن يظل موحداً في دعم مسار موثوق للعودة إلى العملية السياسية، وأحثّ الجهات الفاعلة الإقليمية على التنسيق حول هذا الهدف واستخدام نفوذها بطريقة منسقة لتوجيه اليمنيين نحو الانخراط. وتظل الأمم المتحدة على استعداد تام لدعم اليمن في هذا المسعى.
شكراً جزيلاً لك السيد الرئيس.





