إحاطة المبعوث الأممي الخاص هانس غروندبرغ إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة

Special Envoy Hans Grundberg
Photo for: UN/Ahmed Badawi

شكرأ لك السيد الرئيس.

السيد الرئيس،

في إحاطتي أمام هذا المجلس الشهر الماضي، حذّرتُ من أن اليمن بات أقرب من أي وقت مضى منذ هدنة عام 2022 إلى خطر العودة إلى نزاع واسع النطاق.وقد تحوّل هذا الخطر الآن إلى واقعٍ مرير.

خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، اشتدت حدة القتال على جبهات عدة، ولا سيما على الساحل الغربي، لما له من أهمية استراتيجية. وشنّ أنصار الله هجوماً واسع النطاق شمل المخاء، المدينة التي تضم ميناء المخاء،والواقعة على بُعد نحو 75 كيلومتراً من مضيق باب المندب، الممر البحري الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، والذي يمرّ عبره جزء كبير من التجارة العالمية وامدادات الطاقة. وحتى لحظة تقديم هذه الإحاطة، باتت المخاء تحت سيطرة أنصار الله، ما يمنحهم وجوداً مباشراً على الممرات المؤدية إلى أحد أهم المضائق البحرية في العالم. غير أن القتال لا يزال مستمراً، وقد يتغير الوضع الميداني في أي وقت. ويثير هذا التطور قلقاً بالغاً في أوساط المجتمع الدولي إزاء ما يشكله من تهديد لحرية الملاحة.

وتأتي التطورات في المخاء في أعقاب أسابيع من التصعيد. ففي مطلع أيلول/سبتمبر، شنّ أنصار الله هجمات واسعة النطاق في تعز والحديدة، مما أدى إلى مواجهات متصاعدة الحدة مع القوات الحكومية. ومنذ ذلك الحين، امتد القتال إلى مأرب والجوف والبيضاء. وأفادت تقارير بمقتل مدنيين في تعز والحديدة والبيضاء والجوف ومناطق أخرى، وكذلك مقتل أطفال وتدمير ملاجئ جراء قصف مواقع النزوح في مأرب. ووفقاً للجهات الفاعلة في المجال الإنساني، فقد تم الإبلاغ عن نزوح أكثر من ١١٤٠٠ أسرة جديدة في جميع أنحاء البلاد منذ الثالث من سبتمبر/أيلول، غالبيتهم في تعز وجنوب الحديدة، فيما لا يزال القتال المستمر يدفع بمزيد من النزوح.

كما شنت جماعة أنصار الله هجمات على البنية التحتية المدنية والطاقة في المملكة العربية السعودية، مما أسفر عن إصابة العشرات من المدنيين، وهو ما أدانته الأمم المتحدة.

وأكرر دعوتي لأنصار الله إلى وقف هجماتهم داخل اليمن، وهجماتهم العابرة للحدود على المملكة العربية السعودية، وإلى الكف عن مهاجمة السفن التجارية وتهديدها.

السيد الرئيس،

إن عودة الحرب في اليمن يجب أن تدق ناقوس الخطر لدى الجميع. فهي تمثل، فعلياً، نهاية الهدوء النسبي الذي شهده اليمن طوال أكثر من أربع سنوات منذ الهدنة التي تم التوصل اليها بوساطة الأمم المتحدة. ولا يقتصر خطرها على إنزلاق اليمن في حرب قد يطول أمدها ويتسع نطاقها فحسب، بل تنذر أيضاً بجرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة إقليمية أوسع نطاقاً لم تُحسم بعد، بما قد يترتب على ذلك من تداعيات عالمية.

لم يكن الوصول إلى هذا الوضع حتمياً. فمطالب اليمنيين يمكن معالجتها على طاولة المفاوضات، وقد طرحتُ، قبيل التصعيد، مقترحات تقدم بديلاً ذا مصداقية. وسأواصل العمل مع الحكومة اليمنية وأنصار الله لتحديد سبل عملية للمضي قدماً، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام خيارات تتيح خفض التصعيد. كما سأعمل بالتعاون الوثيق مع الأطراف الإقليمية، التي لا غنى عن دورها في المساعدة على احتواء الوضع. هذا هو دوري. أما ما يتم التفاوض بشأنه، وما يتم الاتفاق عليه في نهاية المطاف، فالقرار فيه يعود إلى اليمنيين.

اسمحوا لي أن أُبيّن بوضوح ما أطلبه في هذه المرحلة

أولاً، يجب إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حتى أثناء الأعمال العدائية. وسيواصل مكتبي إتاحة هذه القنوات، بما في ذلك من خلال لجنة التنسيق العسكري. وتشكل اللجنة منصة عملية لتيسير تبادل المعلومات بشأن الحوادث العسكرية والإنسانية، والاتفاق على تدابير لحماية المدنيين وتيسير تنقلهم بحرية.

ثانياً، يجب على الجميع احترام القانون الدولي الإنساني في جميع الأوقات. فلا يجوز استهداف المدنيين والأعيان المدنية، ويجب توخي الحرص الدائم لتجنيبهم آثار العمليات العسكرية.

ثالثاً، يجب الحفاظ على مسار التوصل إلى تسوية سياسية. فعلى مدى سنوات، أجرى مكتبي مشاورات مع مختلف أطياف المجتمع اليمني، بما في ذلك الأحزاب السياسية والنساء والشباب والمجتمع المدني والقطاع الخاص. وفي مختلف أنحاء البلاد، تتشابه مطالبهم بصورة لافتة. فهم يطالبون بإعادة فتح الطرق والمطارات، وصرف الرواتب، وتحسين الخدمات العامة، والإفراج عن المحتجزين، وتحقيق الاستقرار في اقتصاد يعاني من التجزئة. كما يريدون ضمانات تكفل المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، ومؤسسات دولة تخدم المواطنين بإنصاف. مستقبل سياسي كهذا لليمن يتطلب حوارًا واتفاقًا شاملين. والأمم المتحدة على أتم الاستعداد لمرافقة الشعب اليمني في هذا المسار.

السيد الرئيس،

لم يعد السؤال المطروح أمام المجتمع الدولي هو ما إذا كانت الحرب ستُستأنف مجدداً، بل كيفية التعامل مع مرحلة جديدة أشد خطورة، مرحلة لن تقتصر عواقبها، إن لم تُكبح، على حدود اليمن. ولهذا فإن وحدة هذا المجلس واستمرار انخراطه أمران بالغا الأهمية الآن أكثر من أي وقت مضى. لا يمكن السماح لليمن بأن يغيب عن اهتمام المجلس. فهو بحاجة إلى التزام فاعل من جانب كل عضو في هذا المجلس لاحتواء ما قد يكون انزلاق نحو نزاع أشد خطورة بكثير.

شكراً جزيلاً لكم.